الرّافعيُّ : أبو السّامي مصطفى صادق ، ذاك الطودُ الشامخُ ، والعلمُ السامقُ ، الأصمُّ الذي ملأ الدنيا ضجيجاً وهو لا يسمعُ ، والذي لا يحملُ من العلمِ الرسميِّ ألا الشهادةَ الابتدائيةَ ، ومع ذلكَ فقدَ أودى بردودهِ كبارَ الدكاترةِ والعباقرةِ من الأدباءِ في عصرهِ .
لهُ نثرٌ ساحرٌ أخّاذٌ ، وهو شاعرٌ على جفافٍ في أكثرِ شعرهِ ، وجزالةٍ في بعضهِ ، وسموٍّ في أغراضهِ .
الكلامُ عن الرّافعيِّ وسيرتهِ ومكانتهِ ، لهُ موضوعٌ خاصٌّ ، جمعتهُ في وريقاتٍ ويحتاجُ إلى تهئةٍ وصفٍ ليُنشرَ في المنتدياتِ ويذاعَ .
ولكنّي هنا سأنقلُ لكم بعضاً من الرسائلِ التي جرتْ بينهُ ، وبينِ أبي ريّةَ محمودٍ ، وهي من أرقِّ الرسائلِ وأعذبها ، وكذلكَ من أجملها أسلوباً ، وأصدقها نقداً ، وفيها جرأةٌ وشفافيةٌ كبيرةٌ .
وهي من الكتبِ التي نفدت من قديمٍ ، ولم يُعدْ طبعها ، وكانَ آخرَ طبعاتها - وهي الثانيةُ - في سنةٍ 1969 م ، والعثورُ عليها شبهُ متعذّرٍ .
وأرجو أن تحوزَ على رضاكم ، وسأنقلُ لكم بعضها ، حتى تستطيبوا وقتها ، وتستلذوا قراءتها ، وتحتذوا حذوها في الترسّلِ .
وهذه هيَ :
1 - رأيهُ في أمتع ِ كتبِ النحوِ
( لمّا صحت نيتي على أن أتصلَ بشيخنا الرافعيّ – رحمه الله – رأيتُ أن أسألهُ عن أفضل
كتبِ النحو والصرفِ – وقد كنتُ سألتُ قبل ذلكَ عن هذا الأمر المغفورَ لهُ الشيخ عبدالعزيز جاويش رحمه الله فأجابني أن خير كتبِ النحو ِ كتابُ سيبويه والمفصّل للزمخشري - )
طنطا في 20 ديسمبر سنة 1912
أيّها الأديبُ الفاضلُ
السلامُ عليكم ، وبعدُ ،
فإنّي أشكرُ لكَ ما أطريتَ وأحمدُ إليكَ كما أثنيتَ ، وأرجو أن تكونَ أهلاً لخير ٍ ممّا وصفتني بهِ – إن شاءَ اللهُ - ، فإنّ الأدبَ يرقبُ نوابغهِ دائماً من بينِ المعجبينَ بهِ والراغبينَ فيهِ وذوي الحرصِ عليهِ . أمّا ما سألتَ من أمرِ كتبِ النحو ِ والصرفِ ، فيشقُّ علي أن أدلّكَ على غرضكَ منها ، لأنّي لستُ على بيّنةٍ من قوّتكَ في فهم كتبِ القوم ِ ، والبصر ِ بها ، غير أنّكَ لو سألتني عن أنفعِ وأمتعِ كتابٍ طُبعَ في النحوِ ، لدللتكَ على " شرحِ الكافيةِ للرضي " ، وهو كتابٌ ضخمٌ ليسَ في كتبِ العربيةِ ما يساويهِ بحثاً وفلسفةً .
وللرضي أيضاً شرحٌ على الشافيةِ في الصرفِ ، هو كصنوهِ في النحوِ لا يعدلهُ غيرهما ، فاشترهما ، وضُمّ إليهما كتابَ " متن ِ التوضيحِ " لابن هشام ٍ ، وشرحه ِ ، فإن لم تنتفعْ بالأولين انتفعتَ بالآخرين ِ .
وإلى اللهِ الدعاءُ في توفيقكَ وتسديدكَ ، وأذكرُ أنّي معجبٌ برغبتكَ في الأدبِ وإخلاصكَ لأهلهِ .
والسلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته
مصطفى صادق الرافعي |