الشيخ علي بن صالح الجبالي
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:-
فان مفهوم الوسطية والغلو والتشدد اختلف فيه الناس
فمن الناس من يعتقد ان الوسطية هي مجرد الانتساب الى الاسلام ولو ل يقم أي شعيرة من شعائره
ولو كان ينتسب الى منهج مخالف للشرع كالشيوعية او العلمانية او الليبرالية او غيرها ومن عدا هؤلاء
فانه غال ومتشدد..
ومن الناس من يعتقد ان الوسطية هي الالتزام بأركان الاسلام ولو كان هناك تقصير وتساهل بمقارفة
بعض المعاصي , كأكل الربا وشرب الخمر والاسبال وحلق اللحية وسماع الغنا واختلاط الرجال بالنساء
وغير ذلك من المعاصي الظاهرة والباطنة , واما من لم يكن كذلك فانه غال ومتشدد..
ومن الناس من يعتبر أن ترك الناس يعملون مايشاؤن من محرمات وأن هذا من الحرية الشخصية وأن هذا هو
الأعتدال , وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة الى الله من التشدد والغلو والتدخل في حريات
الآخرين وحبسها ..
ومن الناس من يعتقد ان الألتزام بشرائع الاسلام الظاهرة كاعفاء اللحية وترك الاسبال والبعد عن سماع
الغناء , ولكن مع التساهل مع بعض الطوائف الضالة كالرافضة وغيرهم , وكذلك قبول مايسمى التعايش
مع الكفار , وتسمية الكافر بالآخر , والتساهل في عقيدة الولاء والبراء , واخضاع الاحكام الشرعية
الواضحة للسياسية او مايدعى بالمصلحة ,والتخلي عن جهاد الكفار, والتعايش على اساس القومية او الوطنية ,
يعدون هذا كله وسطية واما من لم يكن كذلك فانه غال ومتشدد..
فما الحكم الفصل في هذه المسألة وما هو الصراط المستقيم فيها؟
وقبل الجواب عن هذا لابد من التنبه والتنبيه الى أمرين وهما:-
1- ان الحق لايتبع أهواء الناس فان أهواء الناس تختلف باختلاف عقولهم وأفهاهم ومشاربهم ومصادرهم
ومواردهم , والله عز وجل يقول وهو أصدق القائلين (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والارض)الاية
وقال تعالى ( وان تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) الآية
فلذلك لايمكن ضبط اهواء الناس الا بميزان معصوم وهو الكتاب والسنة ..
2-أن هذا مصطلح شرعي المرجع في تقريره الكتاب
والسنة وما كان عليه سلف الأمة الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في الصحيح(خير
الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)الحديث
والنبي صلى الله عليه وسلم كان على الدين الوسط وعلى الحنيفية السمحة التي بعث بها , فمن اتى بالدين
كاملا كما جاء في الكتاب والسنة وماكان عليه سلف الأمة فانه هو الوسطي والمعتدل ومن زاد عما شرع
الله في الكتاب والسنة فانه غال ومن قصر عما جاء في الكتاب والسنة فانه جاف, ومن خالف هذا
لزم رمي المتمسك بالحق الذي جاء بالكتاب والسنة وماعليه سلف الامة بالغلو والتشدد , او رمي المتجاوز
لما في الكتاب والسنة بالاعتدال وهو غال .., لقوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وقال النبي صلى
الله عليه وسلم (ان هذا الدين وسط)..
فالوسطية هي اتباع الحق الذي جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كاملا فهذا هو الوسط
والمتمسك به هو الوسطي , والزائد عنه غال ومتشدد والناقص والقاصر عنه جاف ومقصر وناقص..وهذا هو الصراط
المستقيم , صراط المنعم عليهم ومن خالفه فاما أن ينحرف الى صراط المغضوب عليهم أو الى صراط الضالين ..
ومن أمثلة الغلو ماجاء في الصحيح ان ثلاثة من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا عن عبادة النبي صلى الله
عليه وسلم , فكأنهم تقالوها , وقالوا:اين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ماتقدم من ذنبه وماتأخر
قال أحدهم : اما انا فأصوم ولا أفطر , وقال الاخر: أما أنا فأقوم ولا أنام , وقال الثالث: أما انا فلا أتزوج النساء
فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال : اما اني اتقاكم لله وأخشاكم له ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام
وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني ..
فهؤلاء غلوا فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم الوسط والأعتدال..
وقد حضرت محاضرة لسماحة شيخنا الشيخ قبل سنوات , وكانت عن الافراط والتفريط , وقرر الشيخ رحمه الله
أن التمسك بكل ماجاء في الكتاب والسنة هو الوسط ومن تعداه فانه غال ومن نقص عنه فانه جاف..
وانظر الى كل قول او فعل أو اعتقاد تظن انه من الغلو , وارجع ذلك الى الكتاب أو السنة والى ما كان عليه سلف
الأمة فان كان جاء فيها او في واحد منها فانه الأعتدال والوسطية وان لم يكن فيها فانه غلو أو جفاء..
-----
ومن وسطية أهل السنة أنهم وسط في اسماء الله بين النفاة الذين نفوا أسماء الله وصفاته
وبين المشبهه والممثلة الذي شبهوا صفات الخالق بالمخلوق, فأهل السنة يقولون نثبت ما أثبت
الله لنفسه من الأسماء والصفات اثباتا بلا تمثيل وتنزيه بلا تعطيل..
وهم وسط فيما يتعلق بالقدر بين القدرية النفاة وبين الذين غلوا بالاثبات حتى قالوا بالجبر..
وهم وسط فيما يتعلق بالوعد والوعيد , فلم يغلوا غلوا الخوارج الوعيدية الذين غلوا حتى كفروا
بالمعاصي , ولم يجفوا جفاء المرجئة الذين قالوا انه لايضر مع الايمان معصية كما أنه لاينفع
مع الكفر طاعة..
وهم وسط في الانبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام , فلم يغلوا فيهم غلو النصارى الذين
غلوا في المسيح حتى قالوا انه ابن الله او ثالث ثلاثة و ولم يجفوا جفاء اليهود الذين قتلوا الانبياء..
وهم وسط في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم , فلم يغلوا فيهم غلوا الروافض الذين غلوا فيهم
حتى عبدوهم من دون الله , ولم يجفوا جفاء النواصب الذين آذوهم ولم يعطوهم حقهم..
فأهل السنة والجماعة يتقربون الى الله بحب آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم , من جهتين , لأسلامهم
وايمانهم ولقرابتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ..
وكل ماتقدم من الوسطية تقيدوا فيه بنصوص الشرع المعصوم ,كتاب الله وسنة رسوله صلى الله
عليه وسلم وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها رضي الله عنهم..
|